ابن فرحون

25

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

سواء ، أين هذا المتعرض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذه المنكرات الخفيات ؟ ومن ذلك ما يقع عند فتح أبواب الحرم الشريف في السّحر لصلاة الصبح من الزحمة والجري العظيم ، وقلّة الأدب في تلك الحضرة الشريفة ، وفي ذلك الوقت المبارك ، والمضاربة والمشاتمة حتى إنّهم ليقتل بعضهم بعضا من شدّة الخنق ، ولقد أراد تكروريّان أن يقتتلا بالسكاكين في الروضة لأجل ذلك ، وهذه المصيبة العظيمة تدفع بأيسر شيء ، وهو لو كان قومة المسجد وأصحاب النوبة يفتحون للأول فالأول من الناس ، ما حصل هذا البلاء العظيم ، ولكنهم يتركون الناس على الأبواب حتى تضيق أنفسهم ، فيدخلون دفعة واحدة يحطم بعضهم بعضا ، وإثم ذلك على من منعهم ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ البقرة : 114 ] ! ومن ذلك السجاجيد التي يؤبدونها في المسجد ليلا ونهارا ، ولقد كنت أعرف خداما موكلين بالسجاجيد كريحان الموصلي « 1 » ، إذا وضع أحد سجادته - وما كان أهلا لذلك - أخذوها ورموها ، ومتى غلبوا عليهم وكثروا ، جمعوا السجاجيد وأخفوها حتى يحترق عليها صاحبها ، فيردونها عليه ويتوبونه ، ولقد أحرقت مرة على باب النساء ، وما زالوا على سائر الأزمان يهتبلون بذلك اهتبالا عظيما ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون . قال الشيخ أبو عبد اللّه القصري « 2 » رحمه اللّه : رأيت في المنام كأن نارا استعرت في الروضة وهي تعمل في السجاجيد ، وأنا أصيح : واللّه يا رب ما سجادتي من تلك السجاجيد ، وكان يحكي هذه الرؤيا في الميعاد ، وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا جئت إلى الروضة ولم أجد لي فيها مدخلا فرحت وسررت لما أرى من الحرص على الخير ، وكان - رحمه اللّه - يقصد طرف الصف من جهة المنبر حتى يرفع البساط ، ويصلي على الرمل . ومن ذلك : علو الرّمل في الروضة ، ووضع بعضه على بعض ، ولقد

--> ( 1 ) ترجمته في : « التحفة اللطيفة » ( 1 / 352 ) . ( 2 ) هو : أبو عبد اللّه محمد بن غصن الأنصاري القصبري .